الاستثمار في الإنسان .. رحلة نجاح سنغافورة من جزيرة صيادين .. إلى مركز مالي عالمي

image_pdf

جزيـــــــــرة صغيرة فقيرة قاحلة تضم أكواخا ومجموعة من الصيادين، استقلت عن ماليزيا عام 1965 وواجهت صعوبات كبيرة اقتص
واجتماعيا، لتتحول في ظرف 30 عاما إلى مركز مالي عالمي ودولة من الأعلى في دخل الفرد؛ لكن، كيف أصبحت سنغافورة واحدةً من أكثر الدول تطورا في العالم؟

الاستثمار في الإنسان
صَمّمت سنغافورة سياساتها في اكتشاف المواهب البشرية والاستفادة منها، بناءً على عدد من الفرضيات الرئيسية؛ أولها أن بعض الناس أكثر موهبةً من غيرهم بحكم الطبيعة، وثانيها أن المواهب والقدرات الاستثنائية يمكن أن نجدها بين الفقراء كما نجدها بين الأغنياء دون فرق. وبناءً على هاتين القاعدتين، من المنطقي إذًا افتراض أن الدولة قادرة على البحث بشكل استباقي وتطوير المواهب الموجودة في نسيجها السكاني. لتحقيق هذه الغاية، استعانت سنغافورة بعوامل مهمة؛ مثل الصحة وجودة الحياة التي من شأنها إطلاق الإمكانات البشريّة التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق إنجازات فردية وجماعية غير مسبوقة. لهذا الغرض، ركّزت الحكومة السنغافورية اهتمامها على تنفيذ السياسات العامة، بحيث توفّر بشكل مُنصِف وشامل جميع هذه الخدمات الأساسية لكل مواطنيها. وباختصار، نستنتج أن اتباع سياسات عامة رشيدة يفضي بالدولة إلى خلق مجتمعٍ قائمٍ على أساس الجدارة، تدور فيه عجلة الحياة بشكل جيد. قدمت سنغافورة نموذجا فريدا في تنمية رأس المال البشري، كاستراتيجية وطنية اتبعتها بعد الاستقلال عن ماليزيا، واستلهم الزعيم السنغافوري، بعض أسس التعليم من التجارب البريطانية والغربية، واختراق العالم بتربية العقول، والتركيز على التعليم المنتج، فالفهم أهم من الحفظ.
وأصبح التعليم هو المفتاح للمستقبل طويل المدى لسكان سنغافورة التي لا تملك موارد طبيعية، لتتحوّل الجزيرة إلى ميزة رغم افتقارها للموارد الطبيعية؛ لأنها اضطرت إلى تطوير موردها الوحيد.
وبعبارة أخرى، عوضت سنغافورة غيابها عن الموارد الطبيعية من خلال الاستثمار بكثافة في التعليم لتعزيز مهارات سكانها وجذب «أفضل.وألمع» السنغافوريين، للانضمام إلى الحكومة والبقاء فيها من خلال سياسات الجدارة، ودفع رواتب تنافسية لهؤلاء المواطنين.

اكتشاف المواهب
تبنت سنغافورة سياسة اكتشاف المواهب البشرية والاستفادة منها، واعتمد النظام التعليمي على مبدأ ينص على «أن كل طفل أو طفلة يملك أو تملك مواهب بطريقة خاصة». ووفق هذا المبدأ، يتابع الموهوبون دراسيا تعليمهم كما هو متعارف عليه ضمن السلم الأكاديمي، في حين يرسل .الأطفال الموهوبون في مجالات تقنية أو مهنية أخرى إلى المرافق المتخصصة بتعليم وتدريب تلك المهارات. وعلى عكس العديد من البلدان الأخرى في العالم، يتم اختيار الخبراء في سنغافورة من طبقة النخبة في المجتمع، وتبحث سنغافورة عن نجومها الاقتصاديين والسياسيين «من خبراء ومتفوقين دراسيا» في كل طبقة من طبقات المجتمع، حتى بين أطفال العائلات الفقيرة جدا. ولهذا نرى أن أنجح وزيرين في تاريخ سنغافورة، هما وزير التجارة ليم هنج كيانج، ووزير الصناعة تشان تشون سينج، ينحدران من عائلات فقيرة جدا.

مكافحة الفساد

وبالتوازي مع بناء البلاد والنهضة بالتعليم، كان الفساد مشكلة خطيرة في سنغافورة خلال الفترة الاستعمارية البريطانية، بسبب افتقار الحكومة للإرادة السياسية وعدم فعالية فرع مكافحة الفساد، الذي كان يضم 17 موظفا فقط للتعامل مع كل من الفساد والمهام غير المتعلقة بالفساد.
والسبب الأكثر أهمية لنجاح سنغافورة هو تطبيقها المحايد لقانون مكافحة الفساد، حيث تتم معاقبة أي شخص تثبت إدانته بارتكاب جريمة فساد، بغض النظر عن منصبه أو مركزه أو انتمائه السياسي

.
التجديد

لم تتوقف سنغافورة حتى بعد النجاح، ففي عام 1997، أطلقت رؤية جديدة تحت مسمى: «مدارس تفكر.. أمة تَتَعلم»، ومن العنوان يكون الجواب، فالمدرسة التي تفكر، لا تردد كالببغاوات، ما لا تفهمه. عندما ينشأ عقل الطالب الصغير على التفكير، دون قيود، فسيكون قادرا عندما ينضج على القيادة والابتكار، والدفع بنفسه وعمله إلى الأمام. والهدف من المبادرة كان الاستمرار في تخريج المزيد من المواهب والعقول البشرية من الأجيال الجديدة لقيادة نجاحات جديدة في تاريخ سنغافورة.

الحصاد
خلال نصف قرن، تحولت سنغافورة من دولة من دول العالم الثالث إلى دولة من دول العالم الأول، وزادت مساحة أراضي الجزيرة بمقدار137.7 كيلومتر مربع من 581.5 كيلومتر مربع في عام 1959، إلى 719.2 كيلومتر مربع في عام 2016 نتيجة لجهود استصلاح
الأراضي. ونتيجة لسياسة الهجرة الليبرالية، زاد عدد سكان سنغافورة بمقدار 3.6 مرة، من 1.58 إلى 5.61 مليون نسمة خلال نفس الفترة. والإنجاز الأكبر في تحول سنغافورة من دولة فقيرة من دول العالم الثالث إلى دولة ثرية من دول العالم الأول، خلال الفترة 1960-2016، أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد قد زاد بمقدار 56 مرة، من 1310 دولارات سنغافورية إلى 73167 دولارا سنغافوريا. وزادت الاحتياطيات
الأجنبية الرسمية لسنغافورة بمقدار 310 أضعاف، من 1151 مليون دولار سنغافوري في عام 1963 إلى 356253.9 مليون دولار
سنغافوري في عام 2016. ويرجع نجاح سنغافورة إلى موظفيها غير الفاسدين الذين يتمتعون بالكفاءة، حيث إن «وجود أفضل وأذكى المواطنين» في الحكومة ربما يكون إحدى نقاط القوة الرئيسية في سنغافورة، حيث إنهم من المحتمل أن يكونوا الأكثر قدرة على اختراع ما تحتاج إليه البلاد للبقاء على قيد الحياة
وتنمو. ودفع رواتب تنافسية لجذب «أفضل وألمع» السنغافوريين للانضمام إلى الحكومة كان ناجحا، كما يتجلى في الدرجات العالية المستمرة لسنغافورة وتصنيفاتها المئوية على مؤشر حوكمة البنك الدولي بشأن فعالية الحكومة.

واعتمدت سنغافورة في بعض من سياستها على محاكاة واستعارة الأفكار والحلول السياسية من الدول الأخرى، وأرسلت فريقا من الخبراءوالمسؤولين في جولة لتقصي الحقائق إلى المراكز والمنظمات الفنية ذات الصلة في بلدان أخرى، لمعرفة كيفية حل نفس المشاكل: دعوة خبراءمشهورين عالميا إلى سنغافورة للإدلاء بآرائهم المهنية؛ وصياغة خطة السياسة من خلال الأفكار المختارة مما تم تعلمه حول المشكلة، ومصممةخصيصا لتلبية الاحتياجات المحددة لسنغافورة.واليوم سنغافورة أصبحت نموذجا ومثالا للنجاح ولدولة حققت معجزة بفضل الاستثمار في مواردها البشرية، رغم عدم امتلاكها أي موارد طبيعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *